الشيخ محمد رشيد رضا

447

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ » وهذه الدرجة هي التي بينها بقوله « الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ » وفرض عليهم العدل والاحسان في هذه الرياسة . فيجب على الرجل وراء النفقة على امرأته ان يعاشرها بالمعروف وان يحصنها ويعفها ويحصن نفسه ويعفها بها ، ولا يجوز له ان يجعل لها ضرة شريكة في ذلك الا إذا وثق من نفسه بالعدل بينهما ، وانما أبيح له ذلك بشرطه لأنه من ضرورات الاجتماع ولا سيما في أزمنة الحروب التي يقل فيها الرجال ويكثر النساء - كما بينا كل ذلك بالتفصيل في محله - فان أراد ذلك أو فعله أو وقع بينهما النفور بسبب آخر فيجب على كل منهما ان يتحرى العدل والمعروف ، فإن خافا أن لا يقيما حدود اللّه فعلى الذي يريد منهما أن يخلص من الآخر ان يسترضيه ، وكما جعل اللّه الطلاق للرجل لأنه أحرص على عصمة الزوجية لما تكلفه من النفقة ولأنه أبعد عن طاعة الانفعال العارض جعل للمرأة حق الفسخ إذا لم يف بحقوقها من النفقة والاحصان . وقيل إن كلمة « خير » ليست للتفضيل وانما هي لبيان خيرية الصلح في نفسه وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ بين لنا سبحانه وتعالى في هذه الحكمة السبب الذي قد يحول بين الزوجين وبين الصلح الذي فيه الخير وحسم مادة الخلاف والشقاق لأجل أن نتقيه ونجاهد أنفسنا في ذلك وهو الشح ومعناه البخل الناشئ عن الحرص ، ومعنى إحضاره الأنفس أنها عرضة له فإذا جاء مقتضى البذل المّ بها ونهاها ان تبذل ما ينبغي بذله لأجل الصلح وإقامة المصلحة ، فالنساء حريصات على حقوقهن في القسم والنفقة وحسن العشرة شحيحات بها ، والرجال أيضا حريصون على أموالهم أشحة بها ، فينبغي لكل منهما أن يتذكر ان هذا من ضعف النفس الذي يضره ولا ينفعه ، وان يعالجه فلا يبخل بما ينبغي بذله والتسامح فيه لأجل المصلحة ، فان من أقبح البخل أن يبخل أحد الزوجين في سبيل مرضاة الآخر بعد أن أفضى بعضهما إلى بعض وارتبطا بذلك الميثاق العظيم ، بل ينبغي ان يكون التسامح بينهما أوسع من ذلك وهو ما تشير اليه الجملة الآتية :